ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
457
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
فلهذا قال عارف محمّدي : « خضنا بحرا وقف الأنبياء على ساحله » . وهو بحر بيان أن الحقائق بلا صيانة الشريعة كحسين بن منصور وغيره ، بخلاف الأنبياء عليهم السلام ؛ فإنهم الأقوياء في حفظ الباطن ، والأشداء في حب صيانة الأسرار ، فلما كان الختتم في الخاتم أسوة حسنة ، فقيل : ( وأما خاتم الأولياء فلا بدّ له من هذه الرؤيا ، فيرى ما مثله به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) ، هذا إعلام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبشارة للشيخ رضي اللّه عنه بختم الولاية ، وإن كان الذي رآه في سنة تسع وتسعين وخمسمائة بمكة هذا تأويل رؤياه ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من كان ختما لا بدّ أن يراه » . وهو رضي اللّه عنه قد رآه ، ( ولكن يرى في الحائط موضع لبنتين ، واللبن من ذهب ) ، وهو الصورة الولاية المحمّدية الختمية ، واللبن من فضة ، وهي صورة شريعية التي أخذها من مشكاة خاتم الرّسل ، صلوات اللّه عليه وعليهم أجمعين ، فيرى الصورتين : أي صورة الولاية والشريعة ( على صورة اللبنتين اللتين ينقص الحائط عنهما ) : أي
--> - اليقين ، فالحقيقة موافقة للشريعة في جميع علمها وعملها وأصولها وفروعها فرضها ومندوبها ، ليس بينهما مخالفة أصلا . نعم هنا شيئان من العلم والعمل أحدهما : علم صفات القلب ، فأهل الحقيقة لهم به اعتناء واهتمام جدّا ، وسلوك طريقتهم موقوف على معرفته وتبديل صفاته الذميمة ، وأكثر أهل الشريعة مهملون ومتهاونون فيه مع كونه فرض عين في الشريعة والحقيقة بلا خلاف . وأما القسم الثاني من قسمي علم الشريعة وهو الرخص ، فأهل الحقيقة من حيث العلم والاعتقاد لا يشكون بأن ذلك حق والعمل به جائز ، لطفا من اللّه تعالى بعباده ، ورحمة بهم في التخفيف ، ورفع الحرج عنهم . وأما من حيث عملهم فلهم في العمل طريق في شواهق الحق على شوامخ جبال عزائم الشريعة الغراء ، يسلكون فيها إلى اللّه تعالى بتوفيقه وعنايته ، وجميل لطفه وصيانته وعرة العقاب صعبة الذهاب ، منهم من يقيم فيها سبعين سنة ، ومنهم من يقطعها بتوفيق اللّه في سنة ، وبعضهم في شهر ، وبعضهم في جمعة ، وبعضهم في يوم ، وبعضهم في ساعة ، على حسب معونة اللّه الكريم وتقدير حكمة العزيز العليم . وانظر : السيوف الحداد ( ص 60 ) بتحقيقنا .